الصفحة الرئيسية
تفسير الشيخ كشك
تفسير عائض القرنى
=> سورة سبأ
=> سورة الفتح
=> سورة النجم
=> سورة الواقعة
=> سورة الحديد
=> سورة التغابن
تفسيرالفاتحة للشعراوى
تفسير آية الكرسى
تفسيرالشيخ سيد قطب
تفسير الشيخ الصابونى
التفسيرالميسر - البقرة
تفسير بعض الآيات
صوتيات القرآن
خطب ودروس
صوتيات منوعة
خطب مكتوبة
فتاوى مختارة
الاعجاز العلمى
الاعجاز العددى
مقالات منوعة
واحة رمضان
مواقع اسلامية
اخر الاضافات
للاتصال بنا

سورة الحديد

مكية
ترتيبها 57
آياتها 29
((
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)).
نزه الله ومجده وقدسه عما لا يليق به كل ما في السموات والأرض من خلقه على اختلاف أنواعهم وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه وشرعه.
((
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).
لله وحده ملك السموات والأرض وما فيهما، فله التدبير والتصريف، يحيي من العدم، ويعيد الخلق بعد الموت، ويميت الأحياء، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ما أراد كان وما لم يرده لم يكن، ولا يكون إلا ما أراد.
((
هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)).
هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا تغيب عن علمه غائبة وسع علمه كل شيء؛ فعلم السر وأخفى وما ظهر وخفي.
((
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)).
الله وحده الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في مدة ستة أيام، ثم استوى على عرشه فوق سمواته استواء يليق بجلاله، يعلم ما يدخل في الأرض من حيوان ونبت وماء وكنز وغير ذلك، وما يخرج منها من نبات وزرع وثمر ونحوها، وما ينزل من السماء من ماء وغيره، وما يصعد في السماء من ملائكة وأقوال وأعمال، والله عز وجل مع خلقه بعلمه أينما كانوا، وهو بصير بأقوال الخلق وأعمالهم وأحوالهم، لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه غائبة، وسوف يحاسب الجميع على ما عملوا.
((
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)).
لله وحده ملك السموات والأرض خلقاً وتدبيراً، وإليه مصير الخلائق يوم القيامة؛ ليحاسبهم على أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
((
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)).
يدخل الله في ساعات الليل ما نقص من ساعات النهار، ويدخل في النهار ما نقص من ساعات الليل، فيزيد في هذا ما نقص من هذا، وهو تعالى يعلم بما تخفيه صدور العباد من الأسرار والنيات.
((
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)).
آمنوا -أيها الناس- بالله، واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم، وتصدقوا مما رزقكم الله وجعلكم مستخلفين فيه، فإن المتفضل والمنعم حقيقة هو الله وحده، فالذين آمنوا منكم أيها العباد وصدقوا في إيمانهم وتصدقوا من أموالهم فلهم الجزاء الموفور من الأجر العظيم والنعيم المقيم.
((
وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)).
وما عذركم إن لم تؤمنوا بالله فتوحدوه، وإن لم تؤمنوا بالرسول فتتبعوه، والرسول يدعوكم إلى الإيمان بالله وبالرسول، والله قد أخذ عليكم الميثاق السابق بذلك إن كنتم صادقين في إيمانكم بربكم؟
((
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)).
الله الذي ينزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم آيات مفصلات تبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام؛ ليخرجكم بها من ظلمة الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وإن الله بإخراجكم من الظلمات إلى النور رؤوف يريد بكم الخير واليسر، رحيم يتغمدكم برحمته، فيقبل التائب ويمهل العاصي.
((
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)).
وما عذركم في الإنفاق في سبيل ربكم، وهو الذي أنعم عليكم بما أعطاكم، وله ميراث السموات والأرض يرث كل ما فيها ولا يستطيع أحد أن يبقى وارثاً لما عنده، بل سوف يتركه ويرحل عنه، لا يستوي في الثواب والجزاء منكم من تصدق قبل فتح
مكة وقاتل الكفار، أولئك أرفع رتبة عند الله وأعلى منزلة من الذين تصدقوا في سبيل الله من بعد فتح مكة وقاتلوا الكفار، وكلتا الطائفتين وعد الله الجنة، والله عالم يما تعملونه من أعمال، لا تغيب عنه غائبة، وسوف يثيب المحسن ويعاقب المسيء.
((
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)).
من الذي يتصدق لوجه الله وفي سبيله مخلصاً في إنفاقه، لا يتبع ما أنفق مناً ولا أذى، فالله يضاعف له المثوبة ويعظم له الأجر، ويجعل الجنة مأواه.
((
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)).
يوم القيامة تشاهد أهل الإيمان من الرجال والنساء يسعى نورهم أمامهم وعن أيمانهم على الصراط على حسب أعمالهم، ويقال لهم: بشراكم هذا اليوم دخول جنات النعيم التي تجري من تحت أشجارها الأنهار، باقون فيها أبداً؛ ذلك الجزاء هو الظفر الأعظم والفوز الأكبر.
((
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)).
في يوم القيامة يقول المنافقون والمنافقات للمؤمنين وهم على الصراط: أمهلونا حتى نستضيء بنوركم، فترد عليهم الملائكة: عودوا وراءكم فابحثوا عن النور، توبيخاً لهم واستهزاءً بهم، ففرق بين المؤمنين والمنافقين بسور كالحائط العظيم، له باب باطنه من جهة أهل الإيمان رحمة، وظاهره من جهة أهل النفاق عذاب.
((
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)).
ينادي المنافقون المؤمنين قائلين: أما كنا معكم في الدنيا نؤدي العبادة من صلاة وصيام وحج ونحوها مثلما تؤدونها؟
قال المؤمنون لهم: بلى كنتم تؤدونها معنا في ظاهر الأمر ولكنكم أبطنتم الكفر والنفاق، فأهلكتم أنفسكم، وتربصتم بالرسول صلى الله عليه وسلم الموت والمحن، وبالمؤمنين المصائب، وشككتم في القيامة والحساب، وخدعتكم أمانيكم الباطلة وأهواؤكم المضلة، وما زلتم في الغواية حتى فاجأكم الموت، وخدعكم عن عبادة الله عدو الله
إبليس .
((
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)).
فاليوم لا يقبل الله من المنافقين عوضاً يفتدون به من عذاب الله، ولا يقبل الله من الكفار شيئاً، ومرجع المنافقين والكفار إلى نار جهنم، هي أولى بهم من كل محل سواها، وبئس المرجع والمآب، فهي دار الهوان والنكال والعقاب.
((
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)).
أما حان الزمان لأهل الإيمان أن تلين قلوبهم لذكر الرحمن، وتخشع عند سماع القرآن، ولا يشابهوا في قسوة قلوبهم أهل الكتاب من
اليهود و النصارى الذين لما طال عليهم الزمان بدلوا وغيروا وانحرفوا عن دين الله فقست قلوبهم، وأكثرهم خارج عن طاعة الله، متجاوز حدوده. وفي الآية دعوة لخشية الله والخشوع عند سماع كتابه والرقة عند ذكره سبحانه، والتنفير من مشابهة أهل الكتاب في القسوة والغفلة والعصيان.
((
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)).
تيقنوا -أيها العباد- أن الله يحيي الأرض الميتة بالغيث فتخضر بإذن الله، فالله قادر على بعث الناس بعد موتهم وجمعهم ليوم الحساب، وهو قادر على أن يلين القلوب القاسية، قد بين الله براهين القدرة بضرب الأمثال للناس كي يتدبروا أو يعقلوا عن الله ما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
((
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)).
إن المتصدقين مما آتاهم الله والمتصدقات، وأنفقوا في سبيل الله من طيبات ما عندهم من رزق؛ طلباً للأجر من الله، بلا من ولا أذى، يضاعف الله لهم ثواب الأعمال، ويزيدهم التفضل عليهم بدخول جنات النعيم بجوار رب كريم.
((
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)).
والمؤمنون بالله والمصدقون لرسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك هم الصديقون أهل درجة الإحسان والشهداء في سبيل الله، وكذلك الشهداء على عباده بإبلاغهم العلم النافع، لهم الأجر الجزيل والثواب العظيم عند الله، مع النور التام يوم الحساب، والذين كفروا بالله وكذبوا ببراهينه وأدلته المنزلة على رسله أولئك خالدون في النار في الذل والصغار وسخط الجبار، فلا أجور ولا نور ولا أمن ولا سرور.
((
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)).
تيقنوا -أيها الناس- أنما هذه الحياة الدنيا لعب تشغل الأبدان، ولهو تذهل القلوب، وزينة تخدع العيون، وتفاخر بين الناس يتطاول بعضهم على بعض بها مدحاً وفخراً، وتكاثر بأعداد الأولاد وحساب الأموال، وصفتها صفة المطر الذي يعجب الزراع نباته الأخضر، ثم يذبل ويذوي ويجف، فتراه بعد الخضرة والنضرة مصفراً، ثم يصبح فتاتاً يابساً متحطماً، فهذا مثل الدنيا تخدع ببريقها وزينتها واجتماع شمل أهلها وكثرة أموالها ورغد عيشها، ثم يقع الفراق والرحيل وانقلاب الحال وتغير الزمان، وفي يوم القيامة عذاب شديد للكفارة زيادة على ذهاب دنياهم، ومغفرة من الله لذنوب أوليائه ورضوان منه لأهل طاعته، وما هذه الحياة الدنيا لمن آثرها وعمل لها ونسي العمل للآخرة إلا متاع الغرور، وهو تمتع المخدوع بها المغتر بزخرفها.
((
سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)).
سابقوا -أيها الناس- بالعمل الصالح والاجتهاد في الخير والتشمير في الطاعة وطلب أسباب المغفرة من التوبة وهجر الذنوب؛ ليجعل الله مصيركم جنة عرضها كعرض السماء والأرض، هيأها الله لمن آمن به واتبع رسوله وعمل بطاعته واجتنب معاصيه، ذلك الفضل من الله يمنحه من أراد من العباد بتوفيقه للسداد والرشاد، فالجنة لا تدخل إلا برحمة أرحم الراحمين لا بمجرد عمل العاملين، والله ذو الفضل الواسع العظيم على عباده الصالحين، حيث خلقهم ورزقهم ووفقهم ثم أثابهم.
((
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)).
ما أصابكم -أيها العباد- من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم من المرض والفقر والسقم وتلف الأموال وسائر النكبات إلا وقد كتبها الله قبل أن تقع، إن كتابته وتقديره سهل على الله؛ لأنه لا يعجزه شيء.
((
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)).
كتب الله المقادير حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا؛ لأن من آمن بالقدر سلم الأمر لله ورضي بحكمه، وكيلا تفرحوا بما تفضل الله عليكم فرح كبر وبطر وأشر، والله لا يحب كل معجب بنفسه متكبر على غيره، يختال بقلبه ويفخر بلسانه، بل يحب الله المتواضع المخبت المتذلل له سبحانه.
((
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)).
وهؤلاء أهل الخيلاء والفخر الذين يبخلون بما آتاهم الله ولا يصرفونه في حقوقه الواجبة والمستحبة، ويدعون غيرهم إلى البخل ويزينون الإمساك والشح للناس، ومن يعرض عن عبادة الله ويهجر طاعته فالله غني عنه ولن يضر إلا نفسه.
فالله غني عن العباد لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي، وهو سبحانه الحميد الذي له كل صفات الحمد والمدح، وله كل فعل جميل يحمد عليه، فهو غني عمن تولى، يحمد ويشكر من أطاعه وشكره.
((
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)).
ولقد أرسل الله رسله بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة، وأنزل معهم الكتاب بالعقائد والأحكام والأخلاق والآداب، وأنزل الميزان ليحكم الناس به ويعدلوا في أخذ الحقوق وإعطائها، وأنزل الله الحديد فيه قوة وبأس شديد في الحروب وفوائد كثيرة في الصناعة والزراعة، وليعلم الله من الذي ينصر دينه وينصر رسله بالغيب، وذلك بحمل السلاح في سبيل الله لحماية دينه والدفاع عن عباده، إن الله قوي لا يحارب ولا يغالب، عزيز يقهر من عاداه ويعز من والاه.
((
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)).
ولقد أرسل الله
نوحاً و إبراهيم برسالة التوحيد إلى أقوامهما، وجعل الله في ذرية نوح و إبراهيم النبوة وعلم الكتب المنزلة، فمن ذريتهما من اهتدى إلى الحق وأطاع الله، وكثير من ذريتهما متجاوزون لحدود الله خارجون عن طاعته.
((
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)).
ثم أتبع الله بعد
نوح و إبراهيم برسله الكرام، وأنزل معهم الأدلة والبراهين الواضحة، وأتبع بـعيسى بن مريم وأنزل عليه الإنجيل ، وجعل الله في قلوب النصارى أتباع عيسى ليناً وشفقة، فغلوا في دينهم وابتدعوا رهبانية ما كتبها لله عليهم، بل فعلوها بلا دليل شرعي وقصدوا بها الناس ولم يخلصوا لله ولم يؤدوها على وجهها ولا قاموا بها حق القيام لكنهم غيروا المشروع بالبدعة، فآتى الله المؤمنين منهم ثوابهم على حسب أعمالهم، وأكثرهم تجاوزوا الحد وخرجوا عن طاعة الله، وكذبوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، وهذه ثمرة البدعة المرة، وعاقبة من ترك الشريعة.
((
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)).
يا أيها المؤمنون! راقبوا الله واخشوه بعمل طاعته واجتناب معصيته، يكتب لكم ضعفين من رحمته، وهذا يشمل من آمن بـ
عيسى من أتباعه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران عند الله، ويجعل الله للمؤمنين نوراً يهتدون به فيبصرون الحق، ويغفر لهم ذنوبهم، والله غفور لمن أساء من العباد، رحيم بمن تاب إليه وعاد.
((
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)).
تفضل الله عليكم بهذا الأجر المضاعف والثواب العظيم؛ ليعلم أهل الكتاب الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم أنهم لا يستطيعون أن ينالوا شيئاً من فضل الله ورحمته لأنفسهم، ولا يعطونه غيرهم، وأن الفضل كله بيد الله وتحت تصرفه، يعطي من أراد من العباد، ويمنع من أراد منهم، والله عز وجل ذو الفضل الواسع، والنعم الكثيرة على عباده.


Aujourd'hui sont déjà 1 visiteurs (13 hits) Ici!
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=