الصفحة الرئيسية
تفسير الشيخ كشك
تفسير عائض القرنى
=> سورة سبأ
=> سورة الفتح
=> سورة النجم
=> سورة الواقعة
=> سورة الحديد
=> سورة التغابن
تفسيرالفاتحة للشعراوى
تفسير آية الكرسى
تفسيرالشيخ سيد قطب
تفسير الشيخ الصابونى
التفسيرالميسر - البقرة
تفسير بعض الآيات
صوتيات القرآن
خطب ودروس
صوتيات منوعة
خطب مكتوبة
فتاوى مختارة
الاعجاز العلمى
الاعجاز العددى
مقالات منوعة
واحة رمضان
مواقع اسلامية
اخر الاضافات
للاتصال بنا

سورة سبأ

مكية
ترتبيها 34
آياتها 54
((
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)).
الثناء الجميل، والشكر الجزيل، والمجد الجليل، لله وحده تقدست أسماؤه، الذي له ملك كل ما في السموات وما في الأرض وتدبيره، فله الثناء الكامل، والمجد التام يوم القيامة، وهو الحكيم في قوله وفعله، الخبير بأمره وخلقه.
((
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)).
الله يعلم كل ما يدخل في الأرض من ماء ودواب، وغير ذلك، ويعلم ما يخرج من الأرض من ماء ومعدن ونبات، ويعلم ما ينزل من السماء من الملائكة والكتب والأمطار، ويعلم ما يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال العباد، وهو الرحيم بخلقه فلا يعاجل العقوبة لمن عصاه، كثير الغفران لذنوب من عاد إليه وطلب عفوه.
((
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)).
وقال الكفار المكذبون بيوم الحساب: لن تقوم القيامة أبداً، قل لهم -أيها النبي-: بلى لتقومن، وأقسم بربي لتأتينكم الساعة، ولا يعلم زمن قيامها إلا الله وحده الذي لا يغيب عنه وزن نملة صغيرة في السموات والأرض ولا دون ذلك ولا أكبر من ذلك إلا هو مكتوب في اللوح المحفوظ بوضوح وبيان.
((
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)).
ليثيب الله المؤمنين الصالحين أعظم الثواب، مع غفران الذنوب ونيل الكرامة والفوز بالخلود في جنات النعيم.
((
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)).
والذين سعوا واجتهدوا في محاربة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله والكيد لأوليائه وهم مشاقون لله مغالبون لشرعه فأولئك لهم أفظع العذاب وأشد العقاب يوم الحساب.
((
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)).
وأهل العلم العارفون بالله وبأمره يعلمون ويتيقنون أن القرآن المنزل من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيه ولا ريب، وأنه يدل على سبيل النجاة ويرشد إلى طريق السعادة ويهدي إلى صراط الله العزيز الذي يذل من غالبه ويخذل من حاربه الذي قهر سواه، وأعز من تولاه، مستوجب الحمد والمدح على جميل أقواله وكريم أفعاله وحسن شرعه.
((
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)).
وقال الكفار فيما بينهم سخرية منهم واستهزاء بالرسول: هل نرشدكم إلى رجل -يقصدون الرسول صلى الله عليه وسلم- يخبركم أنكم إذا متم وأكلت الأرض أجسامكم أنكم بعد ذلك تعودون إلى الحياة من جديد وتبعثون من قبوركم؟
قالوا ذلك منكرين مستبعدين وقوعه.
((
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ)).
اختلق النبي صلى الله عليه وسلم على زعمهم كذباً على الله وادعى أن الله أرسله -وحاشاه- بل به جنون فهو لا يعقل ما يقول؟
وقد كذبوا، فيما قالوا بل نبي الله صلى الله عليه وسلم مرسل من عند ربه، لكنهم يكذبون بالبعث بعد الموت، وينكرون الآخرة، وسيكونون في عذاب دائم في نار جهنم، وهم بعيدون عن الرشد لم يوفقوا للهدى والصواب.
((
أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)).
أفلم يشاهد الكفار خلق الواحد القهار وبديع صنعه فيما أمامهم وما وراءهم من خلق السماء والأرض الذي يدهش العقول ويحير الأفكار؟
ولو أراد الله لخسف بالكفار الجاحدين الأرض كما فعل بـ
قارون ، أو نزل عليهم قطعا من العذاب كما عذب قوم شعيب يوم أنزل الله عليهم ناراً من السماء أحرقتهم، إن في خلق الله وبديع صنعه لبرهاناً ساطعاً ودليلاً واضحاً لكل عبد يعود إلى ربه تائباً ويرجع إليه منيبا يخلص له العبادة ويفرده بالألوهية.
((
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)).
ولقد أعطى الله
داود عليه السلام نبوة وعلماً و زبوراً وملكاً عظيماً، وأمر الله الجبال والطير أن تسبح معه، وألان الله له الحديد فأصبح كالعجين في يده، يحوله على أي شكل أراد.
((
أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)).
وأمر الله
داود أن يصنع دروعاً واسعات محكمات، وأن يجعل المسامير على حجم فتحات الدروع، فلا تكون الحلقة ضيقة فيضعف المسمار فلا تحمي الدروع لابسها، ولا يجعل الحلقة كبيرة فتثقل الدروع على حاملها، وأمر الله داود وأهله أن يخلصوا له العبادة ويتقوه حق تقواه، فإنه سبحانه مطلع على ما خفي وما ظهر من الأعمال، لا تخفى عليه خافية.
((
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ)).
وسخر الله الريح لـ
سليمان تجري من أول النهار إلى نصفه مسيرة شهر، ومن نصف النهار الثاني إلى الليل مسيرة شهر بسير الناس المعروف، وأذاب الله النحاس وأصبح سائلاً كالماء يتحكم فيه بما أراد ويصنع به ما أحب، وسخر الله لـسليمان الجن، منهم من يعمل بين يديه طائعاً ذليلاً بإذن الله وتسخيره، ومن يعص أمر الله منهم ولا يأتمر بأمر سليمان يصليه الله عذاب جهنم الموقدة.
((
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)).
يعمل الجن لـ
سليمان ما أراد من مساجد للصلاة وصور من نحاس وزجاج ويعملون له أشكالاً عجيبة مما أحب، وقصاعاً واسعة عظيمة كالأحواض الكبيرة التي يجتمع فيها الماء، وقدوراً للطعام ثابتات لا تضطرب لسعتها وضخامتها، وأمر الله آل داود أن يشكروا نعمه بلزوم طاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه، وقليل من الناس من يشكر الله على نعمه الجليلة، والكثير منهم جاحد مقصر في الشكر، و داود من القليل الشاكر.
((
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)).
فلما كتب الله على
سليمان الموت وحان أجله وتمت مدته مات عليه السلام واقفاً معتمداً على عصاه، وما علم الجن أنه مات وهم يعملون بين يديه حتى أتت الأرضة فأكلت عصاه فوقع عليه السلام، عندها تيقن الجن أنهم لو كان يعلمون الغيب ما مكثوا في الشغل الشاق المذل والعمل المضني لـسليمان ؛ لأنهم كانوا يحسبونه حياً ينظر إليهم وهو قد مات!! وفي الآية الرد على من ادعى أن الجن يعلمون الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله وحده.
((
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)).
لقد كان لقبيلة
سبأ في اليمن برهان عظيم على قدرة الله وعظمته سبحانه، هذا البرهان هو بستانان عن يمين وشمال الوادي، أو أن كل بيت من بيوتهم يحفه بستانان، وأمرهم ربهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروا نعمه ويستعينوا بها على طاعته، فإن أرضهم كريمة التربة عذبه الماء، حسنة الهواء، وربهم الله غفار للذنوب ستار للعيوب.
((
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)).
فأعرض أهل
سبأ عن طاعة الله واتباع رسله وشكره على نعمه، فأرسل الله على قراهم السيل الجارف القوي، فخرب سدهم ودمر قراهم واقتلع شجرهم وأغرق دوابهم، وبدلهم الله مكان البساتين الخضر والحدائق الغناء، جنتين دون الأولى، لشجرها ثمر مر كريه الطعم، وأثل لا ثمر فيه، وقليل من شجر النبق كثير الشوك.
((
ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)).
ذلك التبديل من الأحسن إلى الأسوأ بسبب إعراضهم وكفرهم وعدم شكرهم، وما يعذب الله ولا يعاقب إلا من كفر النعم وأعرض عن الحق؛ جزاءً على فعله القبيح.
((
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ)).
وجعل الله بين أهل
سبأ في اليمن وقرى الشام التي بارك الله في أرضها مدناً متصلة بعضها ببعض، وجعل الله السفر في هذه القرى معلوماً محدداً من مكان إلى مكان لا مشقة فيه، وأمرهم الله أن يسافروا في تلك القرى في أي ساعة من ليل أو نهار وهم في أمن وفي نعمة، قد أطعمهم الله من الجوع، وأرواهم من العطش، وآمنهم من الخوف.
((
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)).
ولكنهم تجاوزوا الحدود وطغوا وبغوا وسئموا النعيم وملوا رغد العيش والراحة والأمن، وقالوا في بطرٍ وأشر: يا ربنا، اجعل بين قرآنا مسافات متباعدة حتى لا يفد إليهم محتاج ولا يصل إليهم فقير، وحتى لا تبقى في طريقهم أرض عامرة فينقطع المسافرون، وقد ظلموا أنفسهم بالشرك وكفر النعم والاعتداء في الدعاء، فأهلكهم الله ودمرهم وأباد خضراءهم وشتت شملهم ومزقهم في الديار، وخرب بلادهم، إن فيما وقع بأهل
سبأ لعظةً عظيمة لكل من صبر على أقدار الله المؤلمة، وصبر على أداء الطاعات وصبر على اجتناب المعاصي، وأكثر من شكر ربه بطاعته وامتثال أمره.
((
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)).
ولقد ظن الشيطان ظناً غير يقين أنه سيغوي كل البشر، وأنهم سوف يتبعونه في غوايته، فصدقوا ظنه فاتبعوه واقتدوا به في معاصي الله إلا طائفة من أهل الإيمان بالله ورسله، فإنهم أخلصوا لله العبادة وأفردوه بالتوحيد.
((
وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)).
وما كان للشيطان على الكفار من وسيلة يقهرهم بها ويجبرهم على الكفر، ولكن قدر الله أن يفتن الناس به ويمتحنهم بتزيينه وتسويله؛ ليظهر الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق، ولو لم يكن هناك ابتلاء لما تميز الأبرار عن الأشرار، وربك على كل شيء حفيظ، يطلع عليه ويحصيه ويحاسب عليه، إن خيراً فخير وان شراً فشر.
((
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)).
قل -أيها النبي- للكفار: ادعوا من زعمتموهم شركاء لله في خلقه وعبادته فصرفتم لهم شيئاً من العبادة فاقصدوهم في حوائجكم فلن تجدوا عندهم إجابة؛ لأنهم عاجزون عن تلبية أي سؤال، فهم لا يملكون وزن نملة صغيرة في السموات ولا في الأرض، وليس لهم أي حصة أو قسم من هذا الخلق، فالله خالقه ومالكه ومدبره وحده، والله لم يستعن حين خلق السموات والأرض بأحد من المشركين ولا من آلهتهم المزعومة، بل هو المتفرد بالخلق والرزق، فحقه أن يعبد وأن يوحد وأن يفرد بالعبادة ولا يجحد.
((
وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)).
ولا تنفع شفاعة من يشفع عند الله إلا إذا أذن الله للشافع بالشفاعة ورضي عن المشفوع له، والله عز وجل إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه وجلوا من عظمته وخافوا من هيبته حتى يغشاهم مثل الإغماء من شدة الفزع، فإذا زال عنهم الخوف قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟
فتجيب الملائكة: قال الحق وهو العلي علو ذات وقدرٍ وقهرٍ، الكبير على كل شيء الذي له العظمة والكبرياء.
((
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)).
سل -أيها النبي- الكفار: من الذي يرزقكم من السموات بإنزال الغيث ومن الأرض بالثمار والزروع والكنوز وغير ذلك؟
فإنهم يعترفون أن الله هو الرازق وحده، فإن أنكروا فقل لهم: الله سبحانه هو الرازق لا سواه، وان إحدى الطائفتين منا ومنكم لراشدة صائبة، أو أنها ضالة منحرفة.
((
قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)).
قل -أيها النبي- للكفار لا تسألون عن خطايانا ولا نسأل عن أعمالكم؛ لأننا نبرأ إلى الله منكم ومن شرككم.
((
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ)).
قل -أيها النبي- للكفار: الله يجمع بيننا وبينكم يوم الحساب، ثم يفصل بيننا بالعدل فيما اختلفنا فيه، وهو الفتاح الذي يحكم بين الناس بالعدل ويقضي بالفصل، فقضاؤه يصدر عن عدل؛ لأنه علم أعمال خلقه لا تغيب عنه غائبة.
((
قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)).
قل -أيها النبي- للكفار: أروني بالبرهان الواضح الذين صيرتموهم شركاء لله في العبادة، هل خلقوا شيئا؟
بل أنتم كاذبون في دعواكم، فالخالق الرازق هو الله وحده الذي لا تنبغي العبادة إلا له، العزيز ينتقم ممن عاداه ويعز من والاه، الحكيم في خلقه وصنعه وفي تدبيره وشرعه.
((
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)).
وما أرسلك الله -أيها النبي- إلا رسولا للبشر جميعاً، فدعوتك عامة للثقلين تبشر من آمن بالأجر العظيم وتنذر من كفر بالعذاب الأليم، ولكن أكثر البشر لا يعلمون الحق الذي بعثت به ولا يصدقون رسالتك، فهم معرضون عن الهداية.
((
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)).
ويقول الكفار في استبعاد واستنكار: متى موعد القيامة الذي تعدوننا به والذي يحصل فيه القضاء بين الخلق إن كنتم صادقين بأن هذا الوعد واقع لا محالة.
((
قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ)).
قل -أيها النبي- للكفار: لكم وقت محدد وواقع لا محالة، هو يوم الحساب لا تتأخرون عن موعده ساعة من الزمن فتتوبون، ولا تتقدمون إليه ساعة من الزمن فتعذبون، بل هو موعد معلوم، فخافوا ذلك اليوم وخذوا حذركم منه بطاعة الله.
((
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)).
وقال الكفار: لا نصدق بالقرآن ولا بالكتب التي سبقته كـ
التوراة والإنجيل والزبور، فهم كذبوا كل الرسل وأنكروا كل الكتب، ولو ترى -أيها النبي- إذ الكفار محبوسون عند الله للجزاء، يتكلم بعضهم مع بعض، كل يلقي باللوم على الآخر؛ لرأيت أمراً هائلاً ومشهداً فظيعاً، يقول المستضعفون من الرعاع والسفلة والأتباع للمستكبرين من القادة والأعيان والرؤساء الذين دلوهم على الضلالة: لولا أنكم أغويتمونا عن طريق الحق لآمنا بالله وصدقنا رسوله صلى الله عليه وسلم.
((
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ)).
قال السادة والكبراء للضعفاء: هل نحن منعناكم من الإيمان بعدما جاءكم الهدى؟
بل كنتم أشراراً فجاراً بقبولكم الغواية مختارين، ولم يجبركم أحد.
((
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)).
وقال الضعفاء للرؤساء: بل خداعكم وتزيين الشر لنا أوردنا المهالك، فقد عرضتم لنا الباطل ليل نهار، ودعوتمونا للكفر بالله والإشراك به، وكتم كل من الطائفتين ندمهم وحسرتهم وخيبتهم حين شاهدوا العذاب أمامهم، وجعل الله الأغلال في أعناق الكفار، ولم يعذبوا هذا العذاب إلا لكفرهم بالله وصدهم عن سبيله، وفي الآية تحريم اتباع دعاة الضلالة وأئمة الطغيان ورؤوس المبتدعة.
((
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)).
وما أرسل الله في قرية من رسول يدعو إلى الإيمان بالله وعدم الإشراك به، إلا قال أهل البطر والأشر المنغمسون في البذخ والترف: إنا بما أتيتم به -أيها الرسل- من عند الله جاحدون منكرون.
((
وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)).
وقال المترفون المتكبرون: نحن أكثر منكم -أيها المؤمنون- أموالاً وأولاداً، فرضا الله عنا ميزنا عليكم بهذه النعم، وسوف ننجو من العذاب في الدنيا والآخرة.
((
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)).
قل -أيها النبي- للمتكبرين والمترفين: إن الله يعطي الدنيا من يشاء من عباده ويوسع عليه رزقه، ويمنعها من يشاء فيضيق عليه رزقه، لا لمحبة ولا لبغض ولا لهداية ولا لضلالة، بل يفعل الله ذلك ابتلاء، فلا يظن الموسع عليه أنه محبوب، ولا يظن المضيق عليه أنه مبغوض، ولكن أكثر الناس لا يعلمون مراد الله وأسراره في خلقه وحكمته في اختياره وابتلائه.
((
وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)).
وليست الأموال ولا الأولاد بالتي تقرب صاحبها من الله فتعلي منزلته وترفع درجته، لكن المؤمنون الصالحون لهم ثواب مضاعفة الحسنات، فالحسنة بعشر أمثالها إلى ما شاء الله، وقد تكون أموالهم وأولادهم إذا صدقوا مع الله من أسباب المضاعفة، وهؤلاء المؤمنون في أرفع منازل الجنة وأعلى مراتبها آمنون من العذاب والموت وأنواع الهموم والغموم والأحزان.
((
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)).
والذين يجتهدون في إبطال حجج الله والرد على براهينه التي أنزلها على رسله ويحاربون أولياءه مشاقين لله ولرسوله معادين للحق، هؤلاء في نار جهنم تحضرهم الزبانية وتسحبهم على وجوههم سحبا إلى النار.
((
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)).
قل -أيها النبي- للمتكبرين المترفين المغترين بالدنيا: إن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق ويضيق على من يشاء من عباده؛ لسر يعلمه ولحكمة أرادها؛ ابتلاءً منه لخلقه، وما بذلتم في سبيل الله من مال أو نفع فإن الله سوف يعوضه لكم في الدنيا بزيادة الرزق وفي الآخرة بالأجر العظيم، وهو سبحانه خير الرازقين، يعم نواله الجميع ويعطي البر والفاجر، ولا يرجو من العبد بإعطائه نفعاً، فاطلبوا الرزق من الواحد الأحد، وابذلوا الأسباب الشرعية في الكسب.
((
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)).
واذكر -أيها النبي- يوم يجمع الله المشركين وآلهتهم التي عبدوها من دون الله من الملائكة، ثم يقول الله للملائكة -مبكتاً المشركين-: أهؤلاء المشركون كانوا يعبدونكم من دوننا؟
فهل رضيتم بذلك؟
والله يعلم حقيقة الأمر.
((
قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)).
فأجابت الملائكة: ننزهك يا ربنا عن شرك من أشرك بك في العبادة، فأنت وحدك إلهنا وولينا الذي نخلص له الطاعة ونفرد له العبادة، بل كان المشركون يعبدون الشياطين ويصدقونهم فيما يقولون ويطيعونهم فيما يأمرون.
((
فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)).
وفي يوم القيامة لا يستطيع المعبودون جلب النفع لمن عبدوهم أو دفع الضر عنهم، ويقول الله للكفار الظالمين لأنفسهم بالشرك والذنوب: ذوقوا ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عذاب النار.
((
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)).
وإذا قرئ القرآن على الكفار وصارت آياته معلومة واضحة لديهم، قالوا: ما محمد إلا إنسان يرغب في منعنا من عبادة أصنامنا وأوثاننا التي كان يعبدها آباؤنا، وقالوا: ما هذا القرآن الذي جئت به يا محمد إلا زور وبهتان، وقال الكفار: إن القرآن سحر ظاهر واضح لا يشك في ذلك أحد.
((
وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ)).
وما أنزل الله على الكفار قبل القرآن كتباً ترشدهم إلى أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سحر، وما بعث الله للكفار رسولا قبل محمد صلى الله عليه وسلم يخوفهم عذاب الله.
((
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)).
وكذب الذين سبقوا كفار
مكة كعاد وثمود بآيات الله ورسله، وما بلغ كفار مكة عشر ما أعطى الله الأقوام السابقين من القوة والثراء والبأس وتتابع النعم والبسطة في الأجسام ونحو ذلك، فكذبت تلك الأمم رسلهم ودمر الله المكذبين، فانظر وتفكر ما أشد عقوبة الله لما أنكر عليهم، وما أقوى بأسه لما انتقم منهم.
((
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)).
قل -أيها النبي- لهؤلاء الكفار: إنما أنصح لكم بطريقة واحدة، أن تنهضوا لإجابة داعي الله اثنين اثنين وواحداً واحداً، ثم تتفكروا وتتأملوا حالة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ادعيتم عليه من جنون، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس إلا منذراً لكم بعذاب جهنم إن كفرتم بالله وكذبتم رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما دعاهم للتفكر اثنين وواحداً؛ ليكون ذلك أدعى لصفاء الذهن والبعد عن ضوضاء الناس.
((
قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)).
قل -أيها النبي- للكفار: ما طلبت منكم أجرة على تبليغ رسالتي ودعوتي لكم، فهي لكم ولا أطلب منكم شيئا، إنما أجري على تبليغ دعوة ربي على الله وحده، وهو مطلع على عملي وعملكم، لا تغيب عنه غائبة، وسيحاسب الجميع على ما فعلوا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
((
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)).
قل -أيها النبي- لمن جحد الإيمان وكذبك: إن ربي يرمي الباطل بحجج من الحق فيسحقه ويمحقه، والله يعلم ما غاب عن الأبصار، لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عن علمه غائبة.
((
قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)).
قل -أيها النبي- للكفار: جاء الحق من الله والهداية الربانية، وغرب الباطل واضمحل الكفر وانهزم أصحابه، ولم يبق للباطل نصير يبدؤه ويعيده ويحميه وينصره.
((
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)).
قل -أيها النبي-: إن انحرفت عن الهدى فذنب انحرافي على نفسي، وإن استقمت على الطريق المستقيم فبسبب ما أنزل الله علي من كتاب وسنة، إن ربي سميع لكل الأقوال، يسمع من دعاه، قريب ممن ناجاه وناداه.
((
وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)).
ولو شاهدت -أيها النبي- إذ خاف الكفار أشد الخوف حين أبصروا العذاب لشاهدت أمراً مهولاً، فلا نجاة لهم من العذاب ولا مهرب لهم منه، وأخذ الكفار إلى النار من محلٍ دانٍ قريب الأخذ ليس ببعيد.
((
وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)).
وقال الكفار -بعدما أبصروا عذاب جهنم-: آمنا بالله وصدقنا رسوله صلى الله عليه وسلم، وكيف يستطيعون الإيمان في هذا الوقت وقد فات الأوان وقد بعد المكان والزمان بهم عن الإيمان، فقد حيل بينهم وبينه؛ لأن وقت الإيمان ومكانه في الحياة الدنيا لا في الآخرة.
((
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)).
وقد كذب الكفار برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفروا بالله، وهم يرمون بالظنون الخاطئة من محل بعيد عن إصابة الحق، وليس لهم دليل على ظنهم ولا برهان على حسبانهم الباطل، ولا يصيب الحق إلا من كان على بينة من ربه ولديه حجة من الله، كما أن رامي الهدف إذا ابتعد عنه لا يصيبه وإنما يرمي على الظن.
((
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ)).
وحيل بين الكفار والإيمان بالله الواحد القهار والتوبة والاستغفار والرجوع إلى هذه الدار، مثلما فعل الله بمن يشبههم من القرون المتقدمة، إن الكفار كانوا في الحياة الدنيا في شكٍ من الإيمان بالله ورسله والبعث بعد الموت والحساب، وهذا الشك أحدث لهم قلقاً وريبةً فكفروا وكذبوا.
 



Aujourd'hui sont déjà 2 visiteurs (23 hits) Ici!
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=